بسمه تعالى
الإمام علي عليه السلام أيام خلافته المباركة
( الجزء الثاني )
مقتبس من
كتاب : منتقى الدرر في سيرة المعصومين
الأربعة عشر عليهم السلام
تأليف :سماحة الشيخ محمد محمدي
الأشتهاردي
سبب اندلاع الحروب في عصر الإمام علي ع
اندلعت في عصر الإمام علي عليه السلام ثلاثة حروب داخلية أشغلت قترة حكومته عليه السلام تقريبا (أي في حدود خمس سنوات). وكانت هذه الحروب هي:
حرب الجمل أشعل فتنتها الناكثون لبيعة الإمام علي عليه السلام
حرب صفين، أشعل فتنتها القاسطون المنحرفون عن الحق
حرب النهروان، أشعل فتنتها المارقون عن الإسلام والحق
وكان الباعث الحقيقي وراء تلك الحروب الثلاثة هي عدالة الإمام علي عليه السلام وأخيرا قدم نفسه الزكية صلوات الله عليه أيضا في سبيل العدالة.
فإن هذه الفئات الباغية الثلاث كل واحدة منها تمسكت بأعذار واهية لمحاربة علي عليه السلام ومخالفته، غير أن الإمام عليا عليه السلام كما هو معروف عنه كان صلبا في ذات الله لا يساوم أحدا في الإسلام الأصيل. فرفع هؤلاء راية المخالفة وأشعلوا نار تلك الحروب الثلاث. فوقف الإمام علي عليه السلام أمام أطماع هؤلاء في أحنك الظروف بكل قوة وصلابة ولم يستسلم لأهدافهم المشؤومة، حتى ضحى بنفسه في سبيل مبادئه الخالدة.
نماذج من مواقف الإمام علي ع في حرب الجمل
توالت على الإمام علي ع في حرب الجمل ضغوط من جوانب مختلفة. فاستطاع أن يتغلب عليها بالحكمة والتدبير الصحيح والسياسة والشجاعة والمقاومة.. فقاتل هو وأبناؤه من بداية الحرب إلى نهايتها ولم يتوان في جهاد أعداء الله سبحانه لحظة واحدة، نذكر هنا نماذج من مواقفه الحكيمة.
نموذج من أقواله في حرب الجمل
أعطى الإمام علي عليه السلام في وسط المعركة وشدة القتال الراية بيد ولده محمد بن الحنفية، وقال له:
تزول الجبال ولا تزل، غضّ على ناجذك أعر الله جمجمتك، تد في الأرض قدمك، ارم ببصرك أقصى القوم، وغض بصرك، واعلم أن النصر من عند الله سبحانه [نهج البلاغة:خطبة11]
نموذج من شجاعة الإمام علي ع
في وسط معركة الجمل الضارية، أمر أمير المؤمنين عليه السلام ولده محمد بن الحنفية أن يحمل بمن معه على تلك الجموع المحتشدة حول جمل عائشة، وكانت الراية بيده فأبطأ ابن الحنفية ليتقي سهام القوم ونبالهم التي اتجهت نحوه كالعواصف من كل جانب، فأتاه علي عليه السلام وقال له: هل حملت على القوم؟ فقال: لا أجد يا أمير المؤمنين متقدما إلا على سهم أو سنان وإني منتظر نفاذ سهامهم، فصاح به: احمل بين الأسنة فإن للموت عليك جُنة، فحمل بمن معه نحوهم ثم توقف، فأتاه أمير المؤمنين وضربه بقائم سيفه وقال له: لقد أخذك عرق من أمك.
واخذ الراية منه وتقدم بها فحمل الناس معه فكان القوم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف وتناوب الناس على خطام الجمل حتى قتل منهم جماعة، فأمرهم بأن يعقروا الجمل فلما عقروه هوى إلى الأرض فتفرق من كان حوله كالجراد المنتشر، وبقيت صاحبة الهودج وحدها في ميدان المعركة، ثم جاءها أمير المؤمنين عليه السلام فوقف على هودجها وضربه بقضيب كان في يده وقال:
يا حميراء، ألم يأمرك رسول الله أن تقري في بيتك، والله ما أنصفك الذين صانوا عقائلهم وأبرزوك [تتمة المنتهي:ص12]
الإمام علي إلى جانب جسد قاضي البصرة وطلحة
خرج أمير المؤمنين بعد أن انجلت الحرب إلى القتلى يطوف عليهم، فمر على جسد كعب بن سور قاضي البصرة والذي أفتى بقتال علي عليه السلام وهو مجدل بين القتلى وفي عنقه مصحف، فقال عليه السلام: نحوا المصحف وصفوه في موضع الطهارة، ثم قال إجلسوا لي كعبا، فأجلس، فقال الإمام علي عليه السلام:
يا كعب بن سور، قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا
فتجاوزه
فمر فرأى طلحة صريعا فقال: إجلسوا لي طلحة، فأجلس، وقال:
يا طلحة بن عبدالله، قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا
فوقف رجل أمامه وقال: يا أمير المؤمنين ما كلامك هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاما ولا ترد جوابا
فقال الإمام علي عليه السلام:
إنهما ليسمعان كلامي كما سمع أصحاب القليب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم [بحار الأنوار:ج32 ص202]
صورة من حرب صفين
صمم الإمام علي عليه السلام على تعبئة الناس وتهيأتهم لمحاربة معاوية بن أبي سفيان نتيجة استبداده وطغيانه بالأمور في مقابل أمير المؤمنين عليه السلام، وغاراته على المدن، وانعكاسا لذلك التصميم وقعت معركة صفين الطاحنة الطويلة الأمد التي بدأت من 5 شوال سنة 36 والتي استمرت 18 شهرا، وكانت ضحيتها 110 آلاف قتيلا كان منهم 20 ألف شهيدا من معسكر علي عليه السلام، وكتب بعضهم كان عدد القتلى 300 ألف شخصا [تتمة المنتهي:13-19]
نماذج من مواقف علي ع في حرب صفين
ذكر المؤرخون أقوالا ومواقف كثيرة عن أمير المؤمنين عليه السلام في حرب صفين. نحن نكتفي من هذه المواقف الكثيرة بذكر عدة نماذج.
خطبة علي ع يحث أصحابه لنيل الماء
حينما وصل عسكر الإمام علي عليه السلام إلى صفين، وجدوا أن أصحاب معاوية بقيادة أبي الأعور الأسلمي قد تسلطوا على شريعة الفرات وحالوهم عن شرب الماء، فقال معاوية: يا أهل الشام هذا والله أول الظفر لا سقاني الله ولا أبا سفيان إن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه [شرح النهج:ج3 ص320]
فاستولى العطش على جيش علي عليه السلام، فخطب الإمام بهم خطبة غراء وأعطى أوامره بالهجوم على شريعة الفرات لتخليصها من يد معاوية، وجاء في مقتطفات من تلك الخطبة:
روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء، فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين [نهج البلاغة:الخطبة 51]
فترجل الأشعث بن قيس ومالك الأشتر وترجل معهما اثنا عشر ألفا فحملوا على عمرو أبي الأعور ومن معهما من أهل الشام فأزالوهم من الماء، حتى غمست خيل علي عليه السلام سنابكها في الماء وقتل في هذه الحملة شجعان أهل الشام وفرسانها كصالح بن فيروز ومالك بن أدهم، ورياح بن عتيك، وأجلح بن منصور، وابراهيم بن وضاح، وزامل بن عبيد، ومحمد بن روضة على يد مالك الأشتر رضوان الله تعالى عليه.
وعن صعصعة بن صوحان قال:
أقبل الأشتر - عليه الرحمة- يوم الماء، فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء [شرح النهج:ج3 ص328-330]
كرم وسخاء الإمام علي ع على شريعة الماء
حينما استولى أصحاب الإمام علي عليه السلام على شريعة الماء قال أصحابه له: إمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك. فقال الإمام علي عليه السلام:
لا، خلوا بينهم وبينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون فسنعرض على كتاب الله وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلا ففي حد السيف ما يُغني إن شاء الله [شرح النهج:ج3 ص328-330]
مقالة معاوية في شجاعة علي ع
قام علي عليه السلام بين الصفين ونادى: يا معاوية يكررها.
فقال معاوية: سلوه ما شأنه
قال: أحب أن يظهر لي فأكلمه بكلمة واحدة
فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية:
ويحك، علام تقتل الناس بيني وبينك ويقتل بعضهم بعضا، ابرز إليّ فأينا قتل فالأمر إلى صاحبه
فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبدالله؟
قال عمرو: قد أنصفك الرجل فاعلم أنك إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي على ظهر الأرض عربي.
فقال معاوية: يا ابن العاص، ليس مثلي يخدع عن نفسه، والله ما بارز ابن أبي طالب شجاعا قط إلا وسقى الأرض بدمه.
ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه، فلما رأى علي عليه السلام ذلك ضحك وعاد إلى موقفه [بحار الأنوار:ج 32 ص477]